اللص النزيه
قصة مترجمة من الانجليزيه لكاتبها ابراهيم لعريبي
اللص النزيه” قصة عن الضمير في عالم يدين السارق، لكنه يكرّم أولئك الذين يسرقون مستقبل الناس

جاء ليأخذ ما يمكنه حمله، لكن الرائحة أوقفته.
في المطبخ، كان هناك قِدرٌ مستقرٌ على الموقد وغطاؤه مائلٌ قليلاً؛ تفوح منه روائح الكمون والبصل المحمّر واللحم المطهو حتى انفصل عن العظم. وتحت قطعة قماش على الطاولة، كان الخبز يبعث بآخر ما تبقى فيه من دفء. أصغى السمع تحسّباً لأي وقع أقدام في الغرف المجاورة، لكنه لم يسمع شيئاً. انقبضت معدته بشدة لدرجة أنه وضع يده على المنضدة وانتظر.
كانت الشقة في الطابق الثاني. لقد رأى العائلة تغادر: رجل يحمل كيس تسوق، وامرأة تربط سترة طفل بينما ينزلون، والطفل يحتج بأنه لا يشعر بالبرد. كانت أصواتهم تصل إلى أسفل الدرج. ثم أُغلق باب المبنى، وأمهلهم عشر دقائق.
كان يتوقع أن يكون المزلاج أسهل.
والآن، كانت قطعة خشب صغيرة ملتوية ملقاة بالقرب من المدخل، شاحبة على خلفية الأرضية البالية. دفعها بحذائه تحت الباب.
في غرفة الجلوس، كان هناك هاتف يشحن بجانب الأريكة. وكان هناك تلفاز أكبر من أن يُحمل خلسةً، وخزانة بواجهة زجاجية تحتوي على أكواب لا يبدو أن أحدًا يستخدمها. فتح درجًا أسفلها. بطاريات، ومفاتيح، وظرف.
كان الظرف يحتوي على نقود.
عدّها مرة واحدة، ثم وضعها في جيبه دون أن يعيد العد. فالعدّ مرة ثانية لن يزيد المبلغ.
على الحائط فوق الأريكة، كانت العائلة تقف في صورة فوتوغرافية التقطت في مكان ما بين الأشجار. كان الرجل يرتدي نفس السترة التي جاء بها. وكانت المرأة تضحك على شيء خارج الإطار. أما الصبي، فقد رفع إحدى يديه أمام وجهه.
أدار نظره بعيدًا.
وصلت إليه الرائحة مرة أخرى.
كان قد أكل نصف كعكة خبز في ذلك الصباح. بحلول الظهيرة، توقف الجوع عن إصدار صوت وأصبح ألمًا خفيفًا تحت أضلاعه. كان يمشي حتى بدأت المتاجر تغلق، ينظر إلى المنازل، ويستبعدها، ويتعلم الفرق بين الضوء الذي يُترك مضاءً من أجل شخص ما والضوء الذي يُترك مضاءً لإثباط عزيمته.
في المطبخ، رفع الغطاء.
كانت قطع اللحم والبطاطس مغطاة بصلصة غنية. وكانت هناك جزرة مقطوعة طوليًا. لمس الملعقة بباطن معصمه ليختبر حرارتها، ثم تذوق ما بقي عليها.
أغلق عينيه.
قرر أن يأخذ لقمة واحدة فقط.
وجد طبقًا في الخزانة. أخرج خبزًا من تحت المفرش وأخذ قطعة منه، بحذر في البداية، وكأن حجمها مهم. ثم سكب لنفسه .
ظل واقفاً أثناء تناول اللقيمات الأولى.
كانت الصلصة ساخنة لدرجة أنها أحرقت لسانه. ابتلع بسرعة شديدة، ثم أخذ المزيد من الخبز، وغمسه في الطبق. سال قليل من الزيت على إبهامه. فلعقه.
كانت هناك ثلاثة كراسي حول الطاولة. وعلى الجانب الرابع، كان هناك مقعد ضيق مدفوع تحت المفرش. سحبه وجلس عليه.
. انبعث من شقة أخرى صوتُ جرّ أثاث، ثم صوتُ امرأةٍ تنادي شخصاً ليغسل يديه. طقطقت الأنابيب داخل الجدار، وبدأ محرك الثلاجة بالعمل مع اهتزازةٍ مفاجئة.
صار يأكل ببطء أكثر الآن.
كان هناك دفتر تمارين مدرسي بجانب الخبز، غلافه قد لين من كثرة الاستخدام. على صفحة مفتوحة، كُتبت الكلمة نفسها عدة مرات، وكل محاولة كانت أكثر استقامة قليلاً من التي قبلها. وكان قلم رصاص مستقراً عند ثنية الدفتر.
أزاح الدفتر بعيداً عن طبقه.
كانت البطاطس قد تشربت نكهة كل ما حولها. قصم واحدةً منها بحافة ملعقته. أما اللحم فلم يكن بحاجة إلى مضغ تقريبًا.
كان بإمكانه تذكر آخر وجبة ساخنة تناولها، لكن تذكرها كان يتطلب عد الأيام، ولم يكن يرغب في القيام بذلك وهو جالس على هذه المائدة.
وعندما فرغ الطبق، مسحه بقطعة من الخبز.
ألقى نظرةً على القِدر.
بقي ما يكفي. أقل من قبل، لكنه كافٍ. كرر هذا القول لنفسه مرتين.
ثم مد يده إلى جيبه بحثًا عن الظرف.
للحظة، أمسك بالظرف فوق الطاولة، مستشعرًا ملمس الورق البالي بين أصابعه. كانت والدته تحتفظ بالمال في مظاريف كهذه: الإيجار، والدقيق، والكهرباء. كانت الأسماء تتغير مع سداد الديون وظهور ديون جديدة. أحيانًا كان يُشطب اسم ما ويُكتب آخر فوقه.
كانت لديها أيضًا قاعدة تتعلق بالطعام.
«لا تأكل ملح شخص ما ثم تؤذيه».
قالت ذلك في سياق الحديث عن الجيران، وعن الخلافات، وعن رجل اقترض مالاً ثم أنكر ذلك لاحقًا. فما أن تأكل على مائدة أحدهم، حتى تصبح مديناً له بشيء لا يقاس بقيمة الوجبة.
كان قد مازحها ذات مرة قائلاً إن الملح رخيص.
فحدقت فيه مليًا حتى تلاشت الابتسامة عن وجهه.
نهض وأعاد الظرف إلى الدرج.
بقي الهاتف بجانب الأريكة. تركه هناك.
وعاد إلى المطبخ، فغسل الطبق. وغسل الملعقة أيضًا، فرك بإبهامه مقبضها حيث جفت الصلصة. كانت هناك منشفة مطبخ معلقة على الصنبور. شطفها، وعصرها، ومسح الطاولة.
كانت قطرة زيت قد سقطت بجوار المقعد، فانحنى ليمسحها هي الأخرى.
لم يكن يعرف المكان المخصص للملعقة، ففتح درجَين قبل أن يعثر على بقية الملاعق.
كان الطبق لا يزال مبللًا عندما سمع صوت المفتاح.
تسمّر في مكانه والطبق بين يديه
دار المفتاح، ثم توقف للحظة، وعاد ليدور من جديد. احتك الباب بالخشب المتضرر.
«لماذا يعلق؟» قال الرجل من الخارج.
وضع اللص الطبق على المنضدة.
انفتح الباب.
دخل الرجل أولاً، وحقيبة تسوق تثقل أحد كتفيه. وجاءت زوجته من خلفه مع الصبي. كانت لا تزال تتحدث عن سعر البرتقال عندما رأت الغريب في المطبخ.
أطبقت يدها على معصم الطفل.
وضع الرجل الكيس على الأرض.
«من أنت؟»
رفع اللص يديه قليلاً. كانتا مبتلتين.
«لا تصرخ.»
نظر الرجل نحو غرفة الجلوس، ثم عاد بنظره إليه.
«من أنت؟»
«جئت لأسرق.»
سحبت الزوجة الصبي خلفها.
خطا الرجل خطوة واحدة نحو المطبخ ثم توقف. توجهت عيناه إلى جيبي الغريب.
«ماذا أخذت؟»
«لا شيء.»
«لقد اقتحمت منزلي.»
«نعم.»
«ولم تأخذ شيئًا؟»
نظر اللص إلى القِدر.
«لقد أكلت.»
لم يتكلم أحد.
مال الصبي بجسده من خلف أمه.
«عشاءنا؟»
«اذهب إلى غرفة النوم»، قالت له.
لم يتحرك.
نظر الرجل إلى الطبق، وإلى قطعة القماش المبللة، وإلى القِدر الذي أُعيد غطاءه إلى مكانه
«هل جلستَ؟»
أومأ اللص برأسه.
«في منزلي؟»
«كنت جائعًا.»
ضحك الرجل ضحكة قصيرة، ثم مد يده نحو هاتفه الموجود بجانب الأريكة. كان لا يزال موصلاً بالشاحن. سحبه بقوة شديدة حتى ارتطم الكابل بالأرض.
راقب اللص يده.
«أعدتُ المال إلى مكانه.»
«أي مال؟
«المال الذي في الدرج. الظرف.»
. أخرج الظرف، وتفحّص ما بداخله، ثم عاد ليتفحّصه مرة أخرى. اتجه الرجل نحو الخزانة وفتحها.
مرت زوجته بجانبه متجهةً إلى المطبخ فتنحّى السارق جانبًا.
رفعت الغطاء.
«كانت هذه الوجبة تكفي ثلاثة أشخاص.»
«لقد تركتُ بعضاً منها.»
«أستطيع أن أرى ما تركته.»
خفض بصره.
أغلقت الغطاء بقوة أكبر مما كان ضرورياً.
كان زوجها لا يزال ممسكاً بالهاتف.
«لماذا أعدت المال إلى مكانه؟»
فرك السارق كفيه المبتلتين على بنطاله.
«لقد أكلت ملحك.»
«لقد أكلت لحمي.»
«ذلك أيضاً.»
حدق الرجل فيه.
قال اللص: “عندما تأكل طعام شخص ما، فإنك لا تسرقه بعد ذلك”.
«لقد سرقت الطعام.»
«نعم.»
بدت تلك الإجابة مزعجة للرجل أكثر مما كان سيزعجه أي عذر آخر.
عقدت الزوجة ذراعيها.
«إذن تذكرت أصول الأدب في منتصف الطريق؟»
«شيء من هذا القبيل.»
في الخارج، كان أحدهم يصعد الدرج. أصغى الأربعة جميعاً حتى تجاوزت الخطوات بابهم وواصلت الصعود.
خرج الصبي من خلف أمه، ووقف قرب الطاولة يحدق في المقعد الذي استخدمه اللص.
أنزل الرجل الهاتف، لكنه لم يضعه جانباً.
“والآن، يُفترض بنا أن نشكرك؟”
“لا.”
“ماذا إذن؟”
“دعني أرحل.”
نظرت الزوجة إلى المدخل المتضرر.
“بعد أن حطمت الباب.”
“يمكنني إصلاح المزلاج.”
ضحك زوجها مجدداً.
“يمكنك إصلاحه؟”
“الخشب المحيط به. لم أكسر القفل.”
“أنت تدرك الفرق.”
“أدركه.”
ألقى الرجل نظرة على زوجته، لكنها لم تبدِ أي رد فعل.
وقف اللص ساكناً بينما كان الرجل يتفقد غرفة النوم. انفتحت الأدراج. واصطدم باب خزانة بالجدار. وعندما عاد، بدا أقل يقيناً مما يجب فعله، لكن ذلك لم يقلل من غضبه..
” هل تسمي ذلك نزاهة ؟”
“لا،” قال اللص، “أسميه توقفاً.”
“لص ذو مبادئ.”
“الرجال الذين طلبوا صوتك في الانتخابات أكلوا على مائدتك أيضاً.”
تجهم وجه الرجل
“نحن نتحدث عنك.”
” ذلك أعلم.”
“إذن، لا تُقحمهم في الأمر.”
“لماذا؟ لقد دخلوا من الباب الأمامي. قدمتَ لهم كرسياً، وقدمت لهم زوجتك الطعام، وسألوا عن ابنك.”
“وهل تظن أن ذلك يجعلك أفضل منهم؟”
“لا. أظن أنك تعرف كيف تصفني.”
“لص.”
“نعم. وبماذا تصفهم هم؟”
لم يقل الرجل شيئًا.
“نائب. سعادة النائب. تقف احتراماً حين يدخلون.”
“لقد اقتحمت منزلي.”
“ووصفتني باللص قبل أن تعرف اسمي. أما هم، فيمكنهم السرقة لسنوات، ومع ذلك تظل تخاطبهم بألقابهم.”
«إنهم لا يأخذون أي مظروف من درجي.»
«لا. لكنهم سلموك واحدًا قبل الانتخابات.»
«ليس الجميع يبيعون أصواتهم.»
«إنهم لا يحتاجون إلى الجميع.»
«أنت لا تعرف لماذا كنت بحاجة إلى ذلك المال.»
«لقد كان ذلك مالك أصلاً، قبل أن يضعوه في الظرف.»
ألقى الرجل نظرةً نحو المطبخ؛ كان ابنه يستمع.
قال اللص. « لقد أعادوا جزءاً بسيطاً منه. قدراً يكفي لتدبير أمور الأسبوع ، وبمجرد أن يشغلوا مقاعدهم، يستولون هم على الباقي.
«أتظن أنني لا أعرف ذلك؟»
«إذن، لِمَ أنا اللص الوحيد في هذه الغرفة؟»
«لأنك أنت الوحيد الذي يقف فيها.»
خفض اللص عينيه
«قد يكون ذلك صحيحا.»
قال الرجل: «لقد عملتُ طوال حياتي ولم أطلب منهم شيئاً قط.
«لم يكن ينبغي أن تضطر للطلب. إنه مالك.»
«وهل يمنحك ذلك الحق في أخذ مالي؟»
«لا.»
ساد الصمت للحظة.
قال اللص: «لقد عملتَ كل تلك السنوات… ماذا كنت تأمل أن تمتلك بحلول الآن؟»
«هذا ليس من شأنك.»
«لا. ليس من شأني.»
نظر الرجل نحو ابنه مجدداً.
«أردتُ أن تكون حياته أسهل.»
تتبع اللص نظرات الرجل، ولم ينطق بكلمة للحظة.
“وفي كل مرة يعودون فيها لطلب صوتك الانتخابي، سيعدونك بذلك أيضاً.”
“دع ابني وشأنه.”
“يمكنني استثناؤه مما أقوله، لكنهم لن يستثنوه مما يأخذونه.”
لم يقل الرجل شيئًا.
“المال المخصص لمدرسته. والوظيفة التي سيحتاجها حين يكبر. إنهم يأخذون ذلك الآن، وسيكتشف هو ما فُقِد لاحقاً.”
«وأنت تقول لي هذا؟»
«يمكنك طردي الليلة. غدًا سيظلون في مناصبهم.»
«لقد استنفدوا حياتي بالفعل.»
«والآن يستنفدون حياته هو .»
جاء صوت زوجته من المطبخ:
“هذا لا يقلل من شأن ما فعلتَه أنت.”
قال اللص: “لا بل يجعل ما يفعلونه أكبر”
أخرجت الزوجة ثلاثة أطباق من الخزانة، ووضعتها على الطاولة واحداً تلو الآخر.
وقالت: “فتّش جيوبه.”
أفرغ اللص جيوبه قبل أن يطلب منه الرجل ذلك.
بضع عملات معدنية. قطعة قماش مطوية. مفتاحان على حلقة. مفك براغي صغير.
نظر الصبي إلى مفك البراغي.
«هل هذا ما استخدمته؟»
«نعم.»
سحبته أمه بعيدًا عن المنضدة.
عدّ الرجل العملات بعينيه.
«هل هذا كل ما لديك؟»
«هذا كل ما لدي الآن.»
«احتفظ بها»، قالت الزوجة. «نحن لا نبيعك العشاء.»
جمع السارق العملات وأخذ مفكه.
تنحى الرجل جانباً، مخلياً الطريق إلى الباب.
عند المدخل، توقف السارق. كانت شريحة خشبية قد انفصلت عن الإطار في المكان الذي يثبت فيه المزلاج.
«أستطيع إصلاح ذلك.»
«دعها كما هي.»
«مسمار أطول سيثبتها. هل لديك واحد؟»
«لقد مكثت هنا وقتاً كافياً.»
أنزل اللص مفك البراغي.
انبعث من المطبخ صوت سكب الطعام؛ صوت احتكاك ملعقة بالقدر.
اقترب الصبي، ناظراً إلى الخشب المكسور.
«هل سيُغلق الباب؟»
وضع والده يده على كتفه.
«اذهب وتناول طعامك.»
“كان بإمكاني إنجاز الأمر قبل…”
«ضع ذلك جانباً،» قال الرجل. «واذهب. قبل أن أتصل بالشرطة.»
دسّ اللص المفك في جيبه. وأصدرت عملاته المعدنية صوتاً خفيفاً عند ملامستها له.
فتح الرجل الباب.
«هل كنت تراقبنا ونحن نغادر؟»
تردد اللص قليلاً ثم قال: “نعم.”
«منذ متى وأنت تراقبنا؟»
«منذ وقت كافٍ.»
أبقى الرجل يده على الباب.
«إذا رأيتك على هذا الدرج مرة أخرى…»
«لن تراني.»
«أنت لا تعرف ما كنت سأقوله.»
لم يقل اللص شيئًا.
جاءت الزوجة إلى مدخل المطبخ. وخلفها، كان الصبي قد بدأ يأكل.
مشى اللص في ناحية الدرج
.بدأ الرجل يغلق الباب، لكن اللص استدار.
«زوجتك تطبخ جيدًا،» قال. «اعتنِ بها. جئتُ إلى هنا لأسرق، لكنها أطعمتني بدلًا من ذلك.»
«لم تطعمك،» قال الرجل.
فتح اللص فمه، ثم خفض عينيه. ونزل الدرج.
أغلق الرجل الباب وحاول إحكام المزلاج،. لكنه لم يثبت. رفع الباب من مقبضه وحاول مرة أخرى. فتحرك الخشب المشقق مقابل الإطار.
من المطبخ، نادت زوجته: «تعال. الطعام يبرد.»
وقف لحظة أخرى، مستمعاً إلى خطى الأقدام وهي تنزل. ثم سحب كرسيًّا من المائدة وحشر ظهره تحت المقبض.
عندما جلس، مدّ ابنه إليه الطبق الذي كان الغريب قد غسله.
«ملعقة أخرى؟»
كشطت زوجته ما تبقى في قاع القِدر.
رابط القصة بالانجليزية