قارئة الأصوات
قصة مترجمة من الانجليزية لكاتبها ابراهيم لعريبي

سمعت نجلاء صوت المفاتيح عند الباب. اخترقها صوت الرنين المعدني — فاختلط الأمل بالخوف. مسحت يديها بمئزرها، وألقت به على المنضدة، ثم أسرعت إلى الردهة.
عندما دخل سالم، والغبار لا يزال عالقًا على حذائه، انطلقت الكلمات التي كانت تكتمها طوال اليوم. ”زرت العرافة هذا الصباح.“ انحنت شفتيها في ابتسامة مترددة، تكاد تكون مرحة، رغم أن عينيها كانتا تحملان الجدية في أعماقهما.
صدح تذمر سالم في الغرفة قبل أن تفعل ذلك سترته . ألقى بها على السرير. ”مرة أخرى؟ نجلاء، هل جننتِ؟ أخبرتكِ ألف مرة ألا تذهبي إلى هؤلاء الدجالين. كيف يفترض أن يفيدني ذلك؟“
”إنه دائماً يفيد،” أجابت وهي تتبعه. ”جميع المرشحين يزورونها. كيف تعتقد أنهم يفوزون في كل انتخابات بخلاف ذلك؟”
استدار نحوها. ”هذا سخيف. حتى لو كان صحيحاً — وهو ليس كذلك — فإنه لا يؤثر على نتائج الانتخابات.”
خفت نبرة صوت نجلاء. «اسمعني هذه المرة فقط، يا حبيبي. لا أطيق أن أراك تخسر مرة أخرى. كل هزيمة تجعلنا أصغر. هل تريد أن يكبر ابننا وهو يعتقد أننا لن نكون مهمين أبدًا؟ يمكن للعرافة أن تخبرنا أي منافس يستخدم قوى سحرية ضدك، ثم توفر لنا الحماية.»
سخر بابتسامة نصفها ضحك ونصفها غضب. ”لا يوجد سحر، يا نجلاء. الجميع يعرف كيف تُربح هذه الانتخابات. ليس بالسحر — بل بالمال. شراء الأصوات، هذا كل شيء.”
نظرت إليه للحظة طويلة، وملأ القلق ملامح وجهها. ”وماذا لو لم يكن المال كافياً؟”
لم يكن لدى سالم إجابة. احتجزه السؤال، مثيراً طعم الذكريات المر. لقد حاول من قبل. ترشح مرتين لمجلس الجماعة، ومرتين شاهد منافسيه ينعمون بالثراء المفاجئ. حصل الفائزون على قطع أراضي، وتلقوا أموالاً لبناء منازل، بل وشيدوا مجمعات سكنية. وارتقت عائلاتهم معهم، بين ليلة وضحاها.
أما قصة سالم فكانت أقل بريقاً. كان قد تعثر في دراسته، وبالكاد نجح، ثم ترك الدراسة قبل أن ينهيها. كان الحصول على شهادة تقنية، وإصلاح الآلات، وخياطة الملابس، بمثابة سجن بالنسبة له. عمل لفترة وجيزة في متجر ملابس والده، لكنه شعر بالاختناق، حيث كانت المساومات اليومية تجرح كبرياءه.
ثم تحول إلى تهريب البضائع المحظورة عبر الصحراء. كانت الأرباح سريعة وسهلة، إلى أن تم القبض عليه ذات ليلة. حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة عام، لكن الرشاوى خففت العقوبة، وخفضت المدة إلى حكم مع وقف التنفيذ. خرج سالم حراً، لكن العار بقي يطارده. كان الناس يتناقلون الشائعات، وكان الجيران يرمقونها بنظرات الاستهجان، أما نجلاء فحملت ٱلامها بصمت
ومنذ ذلك الحين، جرب مشروعًا تلو الآخر، فكان كل واحد منهم ينهار قبل أن يبدأ. وكان الدخل الوحيد الثابت الذي يعتمد عليه هو المنحة الحكومية التي تُودع شهريًا في حسابه. كانت هذه المنحة تكفي لشراء الحفاضات ودفع الإيجار، لكنها لم تكن كافية أبدًا للحفاظ على كرامته. وبعد اثني عشر عامًا من الزواج، كانت نجلاء تتحمل أعباء الأسرة على عاتقها من خلال تجارة صغيرة وبيع عارض، بينما كان سالم يراوده حلم الحصول على منصب قد يجعله أخيرًا شخصًا مهمًا.
في كل موسم انتخابي، كان ذلك الحلم يتجدد.
في ذلك المساء، لم تستطع نجلاء أن تترك الأمر يمر، وعلامات التوتر ظهرت على جبينها. ”لا يمكننا تحمل فشل آخر. لن أقضي حياتي في جمع القروش من تجارة تتقلص كل عام. حتى المنحة الحكومية لم تعد تغطي الاحتياجات الأساسية.“
تنهد سالم وعلق سترته على الكرسي. «بعد يومين، سأحصل على حصتي من ميراث أبي. وقد وعدني ممثل الحزب المحلي بالمساعدة في تغطية النفقات. سيكون لدي ما يكفي هذه المرة، دعم حقيقي».
صمتت نجلاء، وبدت على وجهها علامات الارتياح. لكنها لم تستطع أن تترك الأمر. «إذن احصل على الأقل على تميمة،» همست. «شيء يطرد الحظ السيئ.»
نظر إليها. «نجلاء، هذا يكفي.»
تراجعت، وشفتاها مشدودتان. كانت تعرفه جيداً، تعرف متى تضغط ومتى تنتظر.
أصبح ذهن سالم الآن محصوراً بالانتخابات. تحولت كل فكرة تراوده إلى حسابات: أي ابن عم يزوره أولاً، وأي شيخ يتملقه، وكم عدد الوعود التي يمكن تحويلها إلى خدمات قبل الإدلاء بالأصوات. شعر أنه أفضل استعداداً هذه المرة: المال في يده، وتزكية الحزب تدعمه، وطعم الهزائم السابقة المر الذي لا يزال حاضراً بما يكفي ليوجهه. في ذهنه، كانت الخريطة واضحة: يبدأ بالأقارب والقبيلة، ويربطهم بوعود، ثم يتجه إلى الآخرين، ويغازل بضعة آلاف من الأسماء المدرجة في القوائم بالوعود والهدايا وأي وسيلة إقناع يمكنه حشدها. كان لا بد من لعب كل ورقة. لن يكون هناك مجال لخسارة أخرى. بالنسبة له، كان هذا هو كل ما يهم الآن — لم يكن لحديث نجلاء عن العرافين والتمائم مكان في خططه.
سرعان ما بدأت الحملة تتسرب إلى حياتهم اليومية، محولة حتى اللحظات الصغيرة إلى إشارات على تغيير وشيك.
في أحد الأيام بعد الظهر، انطلق صوت بوق سيارة تحت النافذة. أطلّت نجلاء لترى سالم يلوح من خلف عجلة قيادة سيارة دفع رباعي. هرعت إلى الأسفل، وابتسامته تجذبها وراءه.
”إنها تقريبًا جديدة “، قال لها وهي تصعد إلى السيارة. ”أعطاها لي الحزب من أجل حملتي الانتخابية. سأحتاج للوصول إلى الضواحي وقبائل الصحراء.“
تلألأت عينا نجلاء وهي تلمس المقاعد الجلدية الناعمة. تحركت يداها ببطء على لوحة القيادة وكأنها تداعب كنزاً. «ليتها كانت لنا. كنا سنجوب بها أرجاء البلاد كلها. تخيل أن نسافر بها إلى جميع الشواطئ الساحلية!»
أمالت رأسها إلى الخلف على مسند الرأس وأغلقت عينيها للحظة، مستنشقة النسيم البارد من مكيف الهواء. كادت ترى نفسها كواحدة من الزوجات الثريات اللواتي تحسدهن — الأساور الذهبية ترن، والنظارات الشمسية معلقة على جبينها، والمدينة تنحني لها وهي تمر.
”نحن على بعد خطوة واحدة.“ قال سالم.
انطلقوا بسرعة خارج المدينة، والغبار يتطاير خلفهم. ضحك سالم، وهو يختبر قوة السيارة في مواجهة الكثبان الرملية. تشبثت نجلاء بالمقعد، ثم استرخت، وسمحت لنفسها أن تشعر، لأول مرة منذ سنوات، بأن الحياة ربما يمكن أن تتغير.
امتدت الصحراء من حولهم، شاسعة وذهبية. للحظة، تخيلت نجلاء نفسها حرة: رحلات طويلة، طرق واسعة، دون الحاجة إلى عد النقود. ضغط سالم على زر، فانحنى مقعدها للخلف. صرخت، ثم ضحكت، متظاهرة بأنها تنتمي إلى مثل هذه الرفاهية.
عندما عادوا إلى المدينة، أمالت رأسها على النافذة، وكانت لا تزال تبتسم. ثم فجأة اتسعت عيناها.
«انتظر. أوقف السيارة!»
«ما الأمر؟»
«هذا إسحاق، منافسك.» أشارت إلى المنزل الذي غادره للتو. «وهذا المنزل هو منزل العرافة.»
تصلب فك سالم. استدار بالسيارة. في نهاية الزقاق، كان إسحاق واقفاً بجانب سيارته، وعيناه تومضان.
ابتسمت نجلاء بسخرية. “أترى؟ ألم أقل لك؟ جميعهم يذهبون.
تركت الأمر عند هذا الحد. كانت تعرف أنه من الأفضل ألا تغالي في الموضوع.
في تلك الليلة، استلقى سالم بجانبها متجهمًا، وعيناه مفتوحتان في الظلام. راقبته نجلاء لبرهة، مستشعرة ثقل أفكاره، لكنها لم تجرؤ على السؤال. بدلًا من ذلك، أدارت وجهها وسحبت الغطاء إلى ذقنها، متظاهرة بالنوم. ومع ذلك، كانت أذناها تصغي بشغف للكلمات التي تتوق لسماعها — غدًا سأذهب إلى العرافة — لكن لم تأتِ أي كلمات. فقط الصمت.
بحلول الصباح، كان الصمت قد تبدد. استيقظت نجلاء لتجد سريرها خالياً — فقد كان الشارع في الأسفل قد ابتلع الصباح بالفعل بأصوات الطبول ومحركات السيارات. هرعت إلى النافذة فرأت السيارات تتحرك ببطء في طابور مروري متراص، واللافتات ترفرف فوق رؤوسها، ومكبرات الصوت تطلق الشعارات، والهتافات تتردد على الجدران، والمنشورات الملونة تتطاير في الهواء. كانت الحملة الانتخابية قد اجتاحت المدينة. كل الأحزاب خرجت إلى الشوارع، كل منها يحاول أن يعلو صوته على الآخر.
وكانت نجلاء عازمة على أن تفوقهم جميعاً. ارتدت ملابس ملائمة لذلك، ثم اعتلت السيارة الأمامية، التي كان سقفها يزخر بالبالونات، ومكبرات الصوت فيها تصرخ باسم سالم. كان وجهها مطلياً بمكياج كثيف، وشفتاها قرمزيتان، وعيناها مرسومة بالكحل. كانت ترتدي ملحفتها، التي كانت ترفرف حولها كالأجنحة، تجذب كل الأنظار. كانت تلوح كأميرة، وتلقي المنشورات بفخر. كان الأطفال يتدافعون للحصول عليها، والكبار يحدقون، بعضهم يومئ برأسه، والبعض الآخر يبتسم بسخرية.
اكتست البهجة محياها. الهتافات، وأبواق السيارات، والألوان — هذا ما كانت تتوق إليه. انحنت أكثر من النافذة، وهي تشعر بنظرات الحشد تحدق في أساورها، وفي ابتسامتها المرسومة. لبضعة شوارع، نسيت سنوات جمع العملات المعدنية من أكشاك السوق — لم تكن نجلاء بائعة المصوغات، بل نجلاء زوجة شخص مهم.
كانت المدينة تعج بالألوان، لكن تحت ضجيج الكرنفال كان هناك يقين واحد: سيتم شراء الأصوات، مثلما يحدث دائماً.
كانت المسيرات بمثابة ختام الحملة الانتخابية. وبموجب القانون، سيكون اليوم التالي هادئاً: لا أبواق، ولا لافتات، فقط صمت قبل الإدلاء بالأصوات.
وبعد كل تلك الألوان والضوضاء، حبست المدينة أنفاسها، في انتظار القرار الذي سيتخذه كل ناخب بمفرده داخل حجرة الاقتراع.
في تلك الليلة، تمسك سالم بقراراته كأنها حبل نجاة في مياه عميقة. مثل كل مرشح، كان عليه الوصول إلى الناخبين مباشرة، حيث تتفوق الأوراق النقدية على الشعارات. تحولت المبالغ الموعودة لكل حي إلى أكثر الشائعات إثارة في المدينة، وتداولت أسعارها كأسعار السوق.
نشرت نجلاء قائمة الناخبين على الطاولة، ووجهت جهوده نحو الأسماء الأكثر أهمية. مررت إصبعها على الأسماء حتى أوقفها اسم واحد. كانت تعرف ذلك الاسم معرفة جيدة.
«حبيبي، هل تعرف هذا الاسم؟» مدّت القائمة نحوه.
ألقى سالم نظرة سريعة، ثم هزّ رأسه. «لا.»
«أنا أعرفها. إنها العرافة.»
انقبضت أكتاف سالم. «هل أنتِ متأكدة؟»
«دائمًا.»
حدّق في الاسم، ثم دفع الورقة جانبًا. «كفى هذا.»
في وقت لاحق من تلك الليلة، استلقى مستيقظاً بجانب نجلاء. قال لنفسه إن الأمر لا يعني شيئاً. كان يثق بالمال، لا بالسحر. الوعود، الخدمات، النقود: هذا هو ما كان يحدد السياسة بالنسبة له.
ومع ذلك، لم تغب عن ذهنه نظرة إسحاق المرتابة في ذلك الزقاق.
« لم يكن إسحاق أحمقاً. إذا كان قد ذهب إليها، فربما كان ذلك بمثابة تأمين، مثل قفل على باب. الزيارة لا تعني الإيمان — بل الحذر فقط. ما الضرر في الاستماع؟يقول محدثا نفسه
بحلول الفجر، استقر رأيه، رغم أنه رفض أن يقول ذلك بصوت عالٍ. كلمات نجلاء بقيت عالقة في ذهنه، ونظرة إسحاق الحذرة تركت أثراً عميقاً، وصمت إخفاقاته يثقل صدره كالحجر. لم تعد زيارتها تبدو كخرافة — بل كانت وعداً باستراتيجية، سلاحاً آخر في معركة لا يستطيع تحمل خسارتها.
نظرة إسحاق، صوت نجلاء، اسم العرافة: كل نبضة كانت تصل إلى نفس الإجابة.
اذهب.
أمسك بالمفاتيح. بينما اندفعت نجلاء ورائه. انطلقت السيارة في ظلام الليل، وتناثرت الحصى من تحت الإطارات، بينما تخترق المصابيح الأمامية الظلام المتلاشي. تمسكت نجلاء بمسند الذراع. «خفف السرعة يا سالم! فهي لن تختفي.»
ضغط بقوة على دواسة السرعة. قبضت فكرة الهزيمة مرة أخرى حلقه.
كانت رائحة البخور تفوح من منزل العرافة. كانت الجدران مزينة بالسجاد المنسوج بعلامات غريبة، لكن الطاولة في الوسط جذبت انتباه سالم.
كانت مغطاة بقطعة قماش قرمزية. وفي الوسط، كانت هناك لوح مصقول منحوت عليه مثلث يحيط بعين واحدة. بدت العين وكأنها تتبعه وهو يقترب.
انحنت شفتا العرافة قليلاً. ”أعرف من أنت.“ قالت ذلك قبل أن تتمكن نجلاء من الكلام. «وأعرف سبب مجيئك. الليلة ليست لها — إنها لك.»
ترنح سالم في مقعده، وعاد بنظره إلى العين التي لا ترمش.
«غدًا سيُقرر مستقبلك،» تابعت المرأة، وأصابعها تنزلق فوق المثلث. «لكن هناك شيء يقيّدك. ظل يعمل ضدك. ما لم ينكسر، فسوف تسقط مرة أخرى.»
خرجت كلماته بصوت متقطع. «هل يمكنك كسره؟»
اتسعت ابتسامتها. «بالطبع. لكن لا شيء يأتي مجانًا. لكي ترتقي، عليك أن تتخلى عما لا يمكن استرداده.»
قبض حاجبيه. ”المال؟“
هزت رأسها. ”المال ملك للأسواق. بالنسبة لنا، لا يعني شيئًا. ما أطلبه أندر من ذلك. يجب أن تتخلى عن الشيء الوحيد الذي يجعل الرجل نفسه: إرادتك، صوتك، روحك. من هذه الليلة فصاعدًا، لن تكون ملك نفسك. ستكون ملكًا لنا.“
أصابته قشعريرة من تلك الكلمات.
لمعت عيناها. ”ستُنتخب، نعم. لكنك لن تتكلم أبدًا بلسانك. كل كلمة ستكون لنا.”
أراد سالم أن يدير وجهه، أن يضحك على هذا الجنون. لكن فكرة الهزيمة، وموسم آخر من العار، وسنوات قادمة يراقب فيها منافسيه وهم يرتقون، كانت تسحقه.
ببطء، وثقل، خفض رأسه.
وضعت العرافة كفها فوق المثلث، فالتقطت «العين التي ترى كل شيء» ضوء الشموع ثم همست: «لقد تم الأمر».
انسل هواء بارد عبر الغرفة. ارتجف سالم، وكأن شيئًا ما قد انتزع منه، تاركًا وراءه صدىً فارغًا.
عندما فتحت مراكز الاقتراع، لم يعد يتساءل عما قد تحمله بطاقات الاقتراع. كان شيء ما بداخله قد تغير بالفعل في اللحظة التي وضع فيها مصيره على طاولة العرافة، قارئة الأصوات. كان يشعر أحيانًا بخفة، كما لو أن عبء الهزيمة قد رُفع عن كاهله. وفي أحيان أخرى، كان يشعر بالفراغ، كما لو أن جزءًا أساسيًا منه قد تم التنازل عنه. وفي أعماقه، كان يحمل رهبة مستقرة لشخص يعرف مصيره بالفعل.
مع إغلاق صناديق الاقتراع، توّجته الانتخابات. ارتفع اسم سالم فوق منافسيه، حاملاً موجة من الأصوات التي بدت وكأنه تم استحضارها أكثر من أن تكون قد تم عدّها. انفجرت المدينة — الطبول تدق، وقافلات السيارات تطلق أبواقها، والجيران يصرخون حتى تصدعت حناجرهم.
في تلك الليلة، امتلأ منزلهم بالضيوف. كانت الأطباق المليئة بالمشاوي والكسكس تتناقل بينهم بلا توقف، وأباريق الشاي بالنعناع تتصاعد منها الأبخرة في كل زاوية. كان الضيوف يربتون على ظهره، ويثنون على انتصاره، ويساندونه بكلماتهم. كانت نجلاء تتنقل بينهم، وأساورها ترن، ووجنتاها تتوهجان بالفخر. كانت تتخيل سيارة الدفع الرباعي متوقفة بشكل دائم أمام المنزل، وتتخيل نفسها زوجة رجل يمكن لاسمه أن يفتح ابواب لطالما كانت موصدة.
صفقّت بيديها طالبةً الصمت. «بطلنا سيتكلم!»
هتف الحشد. وقف سالم، ورفع كأسه، وفتح فمه — فلم يخرج شيء.
لم يُسمع سوى صوت خشن جاف، كأن رمالاً تتساقط في حلقه. تغيرت تعابير الوجوه. همس أحدهم: «ماذا دهاه؟»
تلاشت الابتسامة المرسومة على وجه نجلاء. لمست ذراعه، لكن حالة الذعر انتشرت فيه.
بجانب النافذة، نصف مُغطاة بثنايا الستارة، وقفت العرافة. ابتسمت ابتسامة خافتة، ثم انسلّت في ظلام الليل.
أمسك سالم بالكأس، وهو يرتجف. كان فوزه مؤكدًا، لكنه لم يعد ملكه. صمته ختم على الصفقة، دليلًا على أنه ينتمي الآن إلى مكان آخر.
نشرت هذه القصة على موقع كالاهاري للكتابة الابداعية باللغة الانجليزية . انقر الرابط اسفل